مها فهد الحجيلان *
منذ أن مسّت يد الإرهاب وطننا في عام 2004 والجهود الأمنية تبذل بشكل لافت للنظر، وقد أسفرت عن القضاء على عدد من الخلايا الإرهابية التي تريد تدمير الوطن وأهله ومنجزاته وممتلكاته المختلفة. ولابد أن يرافق هذا الجهد الأمني جهد فكري آخر يعتبر هو الأساس في تأمين الحماية الضرورية من نمو الأفكار المتطرفة التي تتحول مع الوقت إلى أفكار إرهابية تدميرية .
وقد بدأت حملات فكرية لعل أبرزها قيام مركز الحوار الوطني بتنظيم لقاءات فكرية لمناقشة القضايا التي تهم الناس والتي هي مدار جدل أو خلاف سواء المسائل المذهبية أو الفكرية أو الاجتماعية. وهناك من انتقد هذه الجهود لأنها لم تصل إلى استراتيجيات وطنية تبنى عليها خطط عملية لمحاربة الفكر المتطرف في بلادنا .
وأود أن أضيف كذلك أن تلك الجهود الفكرية المبذولة تفتقر إلى الشمولية، فهي رغم محدودية تأثيرها على مجتمع الرجال، فإن مجتمع النساء لا يكاد يعلم عنها شيئا. وهناك أدلة كثيرة على تفشي إشاعة الفكر المتطرف بين النساء في الجامعات والمدارس؛ فمن له بنت أو أخت في هذه الجهات التعليمية سيجد الشكوى من تسلط بعض المعلمات أو الواعظات على مجتمع المدرسة واستغلال وقت الطالبات وجهدهن ومحاولة توجيهه نحو وجهة ظاهرها أخلاقي ولكنها تتضمن في جوهرها ما يربي على التطرف وإقصاء الآخر وعدم الإيمان به ولا باختلافه. وهذه الجهود تبذل دون أن نجد هناك أي عناية بمتابعة من تقوم بعمل الدروس والمواعظ والاجتماع الخاص بالطالبات وتوجيههن إلى أعمال معينة حول ملاحقة بقية الفتيات اللاتي لا يتفقن مع نمط معين من الفكر أو الشكل الذي تريده أولئك النساء .
ويأتي الدور الآن لمساعدة الفتيات من خلال رسم البرامج التي تهيأ لهن لكي يتدربن على أن يفكرن بطريقة صحيحة وفي نفس الوقت يجدن الحماية الكافية من صاحبات الأفكار المتطرفة ممن يملكن سلطة عليهن سواء في المدرسة أو في المجتمع بشكل عام. ومن المقترحات ألا تكون الأنشطة في المدارس والجامعات حكرا على صاحبات التوجهات الأيديولوجية فقط كما هو حاصل الآن، بل تتاح الفرصة للجميع للمشاركة والحضور والتفاعل بل والمساهمة في إدارة تلك المراكز وتنظيمها .
وبالنسبة للمدارس، لابد من إعطاء المجالات الأخرى فرصة للحضور في الأنشطة، فاقتصار المحاضرات على نوع معين من المواعظ قد يعزز الفكر المتطرف الأحادي الذي لا يسمع إلا أوامر ونواهي فقط. وسيكون من المناسب لو كانت المحاضرات طوال العمل تخضع لخطة علمية تقر من إدارة التعليم أو وزارة التربية والتعليم، على أن تتضمن ما يتعلق بالجانب الطبي والجانب الأمني والجانب الاجتماعي والجانب الأدبي والجانب التاريخي والجانب السياسي والجانب الفني وغير ذلك من الجوانب التي يتطلب من كل فتاة أن تكون على علم بها وأن تتزود بما يفيدها في الحياة من معارف وتجارب وخبرات .
ومما ينبغي التذكير به أن الفتاة أكثر من الفتى استجابة للأفكار التي تعرض عليها لأسباب اجتماعية لأنها لا تتاح لها فرصة التنقل والذهاب حيث تشاء لتحضر الفعاليات الثقافية النادرة؛ بل هي محاصرة بما يفد إليها. والذي يأتي إلى الطالبات هو في الغالب محاضرات وعظية عن قضايا مختلفة كلها تصب -غالبا- في تسخير المرأة لكي تكون مطيعة لا رأي لها ولا إرادة. وهذه من الأفكار التي تعزز توجيه الفتاة للسلبية وانعدام الإرادة. ولو تحققت هذه الصفات في أي فتاة فمن المؤكد أنها ستحمل فيروس الأفكار المتطرفة الذي سرعان ما ينتقل إليها بمجرد الاقتراب من حامل أو حاملة الفيروس .
وفي المقابل لو أن الجهود كانت تركز على تفعيل فكرة تقبل التنوع الثقافي والفكري للغير فإن ذلك سوف يشجع الطالبات على التفكير الحر المستقل الذي ينظر في الموضوع من جميع الزوايا ولا يقتصر على رؤية واحدة أو زاوية صغيرة أو منطق معين فقط؛ بل على كل الأفكار وخاصة ما يتعلق بالوعي وتقبل الغير تكون مطروحة على مائدة النقاش دون تحيز مع أو ضد أحد .
هذا التفكير المنطقي المرن لو توفر في بعض الطالبات وليس شرطا أن يوجد لدى الجميع، فإن هذا العدد القليل يستطيع أن يقوم بدور إيجابي في مجتمع المدرسة والجامعة. ولكن هذه الأمور لا يمكن أن تتحقق ما لم يرسم لها برنامج من وزارة التربية والتعليم ويكون برنامجا قابلا للتطبيق والمتابعة من المدرسة ومن الوزارة نفسها .