تفكيك الإرهاب مشروط بتفكيك ممارسات التطرف

علي الخشيبان *

السبيل إلى الخطط الأمنية للقضاء على الإرهاب عملية صعبة ولكنها أسهل بكثير من الخطط الفكرية للقضاء على مكونات التطرف ومؤشراته. الخطط الأمنية الناجحة التي خاضها الجهاز الأمني في مجتمعنا تتعامل مع فئات الإرهابيين وفق الفرضيات الأمنية الاحترازية والمراقبة والتخطيط الاستباقي وهذا ما جعلها قادرة على إحباط المحاولات المتكررة للفئات المتطرفة. العلاج الفكري لقضية التشدد والتطرف والفهم المختزل للدين والتي تؤدي إلى الإرهاب أصعب الاختبارات التي يسير إليها المجتمع، تفكيك الإرهاب ذو علاقة كبيرة بمؤثرات داخلية وخارجية لابد من فهمها بطريقة لا تخجل من الحقيقة مهما كانت قسوتها التاريخية أو السياسية
.

الإرهاب جاء نتيجة لظواهر فكرية عرفناها في الماضي وهاهي تسير معنا إلى الحاضر وسوف ترافقنا آثارها للمستقبل، لذلك فالمزرعة الفكرية التي نما فيها الفكر المتطرف مازالت مفتوحة بطريقة قد تصعب علينا رؤيتها أو لنقل رؤيتها بالمنظار المناسب. فكرة الإرهاب ليست قضية تكفير فقط تنتهي بالتفجير، فالإرهاب ليس كالمشكلات الأخرى تبدأ كبيرة ثم تصغر، الإرهاب فكرة تبدأ صغيرة ثم تكبر إلى أن تنتهي إلى قضية تصعب السيطرة عليها. الكثير من المجتمعات مازالت حائرة في فهم الخطاب الذي يطرحه الإرهاب وعلاقته بالإسلام كعقيدة. هناك أسئلة لابد من طرحها بهدف تشكيل مفاهيم واضحة للمجتمع حول فهم الدين والممارسات والعبادات التي يجب أن تكون مختلفة تماما بل متناقضة مع الخطاب الذي يطرحه التطرف والتشدد وليس متشابكة معه بطريقة غير مفهومة .

الإرهاب ليس سببا للتطرف إنما هو نتيجة حتمية للتطرف والتشدد والفهم المزدوج للقضايا التراثية والتاريخية وهذه الفكرة يجب أن تكون واضحة، إذا كان هناك من حقيقة هدفها القضاء على الإرهاب فيجب قبلها القضاء على كل فكرة غير واضحة تجلب الازدواجية والاختلاف حول الدين وتطبيقاته. ما يجب على المجتمعات أن تدرك أخطاره هو حالة يتحول فيها الخطاب الديني إلى خطاب مزدوج وخاصة في عملية التفسير لهذا الخطاب، عندها فقط يكون الفرد ضحية عدم الفهم وعدم إدراك الأبعاد المختلفة لمتطلبات المجتمع ومتطلبات السياسة، فالأفراد في المجتمع منهم بسطاء لا يمكن أن يدركوا تلك الدائرة الكبيرة التي تتم بها مناقشة القضايا التراثية وارتباطاتها السياسية والفكرية .

المجتمع لم يعد يدرك في كثير من القضايا ذات العلاقة بالإرهاب كيف تتبرأ الأسرة من ابنها بمجرد أن أصبح ضحية في عملية إرهابية عبر تنفيذها بينما كانت تلك الأسرة بالأمس تحتفل به وهو إنسان ملتزم كما يطلقون عليه يقرأ القرآن ويحفظه ويحتفل به الجميع دون استثناء ويمنح الجوائز ويجد التشجيع من الجميع، هذا الربط بين الحالتين وكيفية فهمه يجب أن يكون جزءاً من حل المشكلة. السؤال الذي يجب أن نطرحه كيف يتداخل التطرف والتشدد ليحوّل هذا الابن أو ذاك من نموذج مكتمل للفرد المتدين إلى قنبلة تتفجر بخطاب ديني..؟ .

إن حالة الاحتفال بالأبناء وهم يمارسون الالتزام ويصطفيهم المجتمع منها ما ينتهي نهاية مؤلمة يتم فيها التبرؤ منهم بعدما يتم اختطافهم فكريا ليس في ظلمة الليل إنما في وسط النهار وتحت ضوء الثقافة السائدة وهنا السؤال الثاني: ألم يكن ذلك يحدث أمامنا وبموافقتنا..؟. المعضلة أن تكون الصورة المتوقعة للتدين صورة تختلط فيها مفاهيم قابلة للتحول إلى نماذج خطيرة كالإرهاب، فهذا التحول الفكري نحو الإرهاب والذي يحدث للكثير من الشباب إنما هو تعبير عن حالة مضمونها أن التدين الذي ينتشر بين الشباب هو نفسه غير محصن ضد الإرهاب وأن الكثير من المفاهيم التي يطرحها الالتزام في منهجه قابلة للتحول وبشكل سريع إلى قضايا سلبية على المجتمع يمكن رؤيتها في الشحن النفسي بين الفئات المتدينة وغيرها من أفراد المجتمع، بالإضافة إلى أن ممارسي الإرهاب كلهم يمرون عبر ممارسة دينية ذات صبغة وشكل يوافق عليها المجتمع بل يشجعه .

الأنشطة الدينية في المجتمع هي الأسهل اختراقا لذلك يسهل للتطرف الانطلاق منها حتى إن كانت بيئتها محصنة بالأنظمة، فعبر هذه الأنشطة تم اختراق الكثير من المواقع في المجتمع، وأصبحت القدسية مطلبا لهذا النهج حتى إن المجتمع نفسه لم يعد قادرا على مساءلة واقعه الفكري وخاصة ماله علاقة بنموذج التدين لأن الخطابات المتعددة في المجتمع كلها تدعم التدين دون توقف واضح لتعريف معايير هذا التدين ومظاهره لذلك أصبح المجتمع بيئة يمكن أن نطلق عليها أنها البيئة الأكثر غرابة في حماية نفسها من مظاهر دينية لها آثار سلبية. النماذج التي عرفناها في المجتمع لبعض من وصلوا إلى الإرهاب ومارسوه وجدناهم بصورهم الحقيقية ممن شاركوا في أنشطة دينية ودعوية بل من بعض المروجين للصحوة عبر استثمار مواقعهم أو علاقاتهم لقد كنا وما زلنا نكتفي بالصورة الظاهرية للفرد وهذا ما جعلنا نمارس منهجية تقديس الفرد دون الدخول في فهم التراث ومنهجياته واختلافاته الفكرية .

عندما كتب الكثير من كتابنا عن ثقافة الموت وكيف يُجر الإنسان إلى ممارسة الموت بطريقة مخيفة بينما هو من الأحياء، هناك اختلطت الرؤى والأفكار هل هذا من أسباب الإرهاب أم إنه ممارسة دينية صادقة، لقد دافع الكثير عن ممارسة الموت بهذه الطريقة واعتبروها جزءاً من الدين بينما كان المجتمع يقف حائرا في فهم ما يحدث، وكان المتوقع أن يتم طرح سؤال يقول ما الفرق بين التدين الذي يقود إلى الإرهاب والتدين الذي يحارب الإرهاب..؟ .

الإشكالية التي يسكت عنها المجتمع ولا يريد سماعها أن بعض الممارسات الدينية طورت خلال مرحلة ماضية بطريقة تخدم الإرهاب دون أن نعلم كيف أن ذلك التطوير في ممارسة الدعوة لم يكن الهدف منه عملية تسهيل للمعرفة الدينية بقدر ما كان خطة محكمة لزرع فكر متطرف ومتشدد يتغلغل في المجتمع بطريقة يصعب الانفكاك منها. فمثلا في قضية الموت والمواعظ المرتبطة بها وعلى مر التاريخ لم يتم تطويرها بهذه الصورة التي نراها الآن حيث استخدمت فكرة الموت لعمليتين مهمتين الأولى هدفها تمرير فكرة الموت وجعلها حالة مشاهدة يمكن تصور أبعادها لخلق الرعب الدائم في النفس التي تمر بتلك التجربة، الثانية رسم النهاية بطريقة تبدو مطمئنة لمن هم على طريق التدين وأنهم كلما قدموا أنفسهم ضحايا لمزيد من التشدد في ممارساتهم الدينية أصبحت مواجهتهم للموت فكرة سهلة وهذه إستراتيجية أساسية في الفكر الإرهابي .

لقد تم تصوير الموت والقبر والعذاب بهذه الصورة التي رأيناها عندما كشفت لنا بعض المقالات الجريئة تلك الصورة المحزنة لتقديم الموت كثقافة تخدم الإرهاب ولا تخدم العقيدة والإسلام .

الإشكالية التي تجعلنا حائرين أمام الأسئلة الجريئة هي الحالة التي تظهر بها الممارسات الدينية في المجتمع فالوعظ موجود والخطب في المساجد موجودة وحفظ القرآن موجود والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر موجود في تاريخ هذا المجتمع ولكننا يجب أن نطرح السؤال التالي على أنفسنا لفهم ما يحدث: كيف تم تطوير تلك الممارسات بشكل سلبي ولماذا سكتنا عنها..؟ .

الوعظ الديني تطور عبر زمن الصحوة والتشدد ومازال ليكون وعظا سياسيا بحتا ولذلك أصبحت أهدافه مختلفة حتى لو لم نقل ذلك أو حاولنا التخفيف منه. المعالجة الفكرية يجب أن تبدأ بمعالجة الخطاب الديني من جديد فنماذج الخطب في المساجد واستخدام مكبرات الصوت واستثمار الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والوعظ المباشر كلها مازالت تستخدم نفس الأدوات بنفس الطريقة، لذلك فعمليات الوعظ والتذكير والمحاضرات سواء في المساجد أو المدارس أو التجمعات يجب أن تلغى وتستبدل على سبيل المثال بإنشاء محطة تلفزيونية تحت مظلة الدولة تتاح لكل من هو صادق في وعظه الديني أن يقدم فيها ما يفيد المجتمع فقط .

 

المصدر: جريدة الوطن

 
 
Email : info@laanansa.com جميع الحقوق محفوظة لموقع حتى لا ننسـى