في الأيام الأخيرة الماضية جرت عدة أحداث في المنطقة العربية تنضوي تحت لواء الإرهاب ومحاربته، كان أحدها في المملكة حماها الله، وهو مقتل إرهابي من قائمة المطلوبين الـ 36، ولعلّه الأخير في هذه القائمة السوداء، ولعلها الأخيرة بين قوائم السوء؛ وكان اسمه قد ترّدد عقب جريمة قتل السياح الفرنسيين قرب المدينة المنورة كأحد منفذيها، وقد كنت تناولت تلك الجريمة النكراء عقب حدوثها في مقالة (محاربة الإرهاب مسؤولية جماعية) التي نشرتها صحيفة الوطن بتاريخ 5/3/2007 إذ بدأتها برسالة من قارئ يشكرني على المساهمة في إحداث تغيير في شخصيته وأيديولوجياته من التشدد إلى الاعتدال، وبعد نشر المقالة وصلتني رسالة من القارئ سهيل رمضان أبو العز يشكرني فيها كما يطرح علي عدة أسئلة حول صحة منطلقات الإرهابيين في جريمتهم ضد الفرنسيين.
الغريب في الأمر أن القارئ أبو العز متابع لما يُكتب في الصحف وقد ورد اسمه في صفحة نقاشات عدة مرات كما أن عمره يزيد على ستين عاماً ولكنه لا يملك البراهين على دحض شبهات الإرهابيين الذين يعتقدون بصحة أفكارهم، ولا أعتقد أن مسؤولية جهل القارئ بالإجابة تقع على عاتقه وحده أو على عاتق الصحيفة التي يتابعها، لكن المسؤولية تقع برأيي على مناهج التعليم التي تخلو من الدلالات الجمالية والفنية في الوقت ذاته تمتلئ بالتعبئة النفسية المتكررة لكره الكفار والمخالفين، ولذلك تجدر الإشارة - مرة أخرى - إلى الجهد الذي بذله الباحثان الإسلاميان عبد العزيز القاسم وإبراهيم السكران عندما قدما ورقتهما في الدورة الثانية لمركز الملك عبد العزيز للحوار الوطني حول ما تحويه المناهج من رفض الآخر المخالف حتى لو كان مسلماً، وكذلك تجب الإحالة إلى جهود بعض الكتاب والمثقفين حول ما تحويه المناهج الدينية والأدبية من تكرار كلمة الكافر، بمناسبة وغير مناسبة، ويأتي في مقدمة هؤلاء الدكتور حمزة المزيني الذي يجب التوقف عند مقالته الأخيرة (هذا بعد ماذا؟) قبل الشروع في إجابة الأخ أبو العز على أسئلته.
يمكن بدايةً الربط بما جاء في التصريح الأخير لوزير الداخلية سمو الأمير نايف بن عبد العزيز حول منظري الإرهاب الذين يقدّمون الوصفات التشددية لكل المستعدين نفسياً لتقبّلها وممارسة أسوأ ما فيها، وبين مقالة الدكتور المزيني الذي أشعر بكامل التعاطف معه في انكشاف الحقيقة له، فالحقيقة أحياناً مؤلمة جداً، وإن كانت ضرورية لأخذ العظة والعبرة منها، وهي إن دلت على شيء في مثال الدكتور المزيني فهي تدلّ على المسؤول الأهم في غياب الإجابة عن ذهن القارئ "أبو العز" ألا وهو دور المساجد.
فحوى مقالة الدكتور المزيني أن الإمام الذي كان يصلي وراءه والذي هو جاره في الحي - وربما جاره في المنزل- كان يتخفّى باسم "الخفاش الأسود" ويكتب في الساحات السياسية بقلم مليء بالحقد على الدكتور المزيني وغيره من التنويريين، وقد تبدّت أزمة هذا الخفاش بعد حواره لصحيفة الحياة وكشفه عن شخصيته بعد صدور كتاب له باسمه الحقيقي، فقد ظهر بوضوح أنه يعاني من فصام رهيب في الشخصية، ففي الوقت الذي كان يبتسم في وجه المزيني ويلقي السلام عليه، كان يخلو إلى نفسه وينسى أنه مسؤول أمام الله عما يكتب حتى لو تخفّى تحت ألف ريش خفاش وغراب وبوم، ثم يبدأ بالتركيز على الهدف موجهاً ضربات تحت الحزام لخصمه دون أن يراعي فيه إلا ولا ذمة، وقد كان هذا الخفاش قدوة في واقعه الحقيقي حيث إنه إمام مسجد وكذلك كان في واقعه الافتراضي حيث كان عدد المتجاوبين مع مقالاته كثيراً جدا، ولقد حُجب منتدى الساحات أخيراً لما ينثره من بذور الكره والعنف، لكن الحوار الجاد مع هؤلاء الخفافيش كان أجدى عبر إدخالهم دورات تأهيلية لمحو ما في نفوسهم من سموم ينفثونها من مخابئهم، وقد صرح هذا الخفاش الأسود في حواره أنه تم القبض عليه أكثر من مرة وما إن يخرج حتى يعود لممارسة هوايته القميئة في السب والشتم، ومعنى هذا أن السجن لم يساهم في تأهيله نفسياً وفكرياً ليعود لمسجده ولبيته بشخصية متكاملة ومتوازنة.
الأكثر غرابة في كشف الخفاش الأسود عن شخصيته ليس فقط إساءته لجاره، بل دأبه على رؤية الأفلام الأجنبية والاشتغال بقصّها على القراء (الساحاتيين)، وبما أنه محسوب على التيار الإسلامي في الواقع كونه إمام مسجد، فمعنى ذلك أنه كان يبيح لنفسه رؤية الأفلام المختلفة ولكنه يحرّمها على غيره عندما تظهر شخصيته "المسجدية"، وهذه دلالة أخرى على فصام الشخصية، مما يظهر صحة كلماتي في مقالتي التي أشرت إليها في البداية عن (الفريق الذي يمدّ يده ليقبض راتبه من الدولة نفسها، لكنه مخالف لتوجّهاتها التنويرية في خلق مجتمع ذي إسلام راشد)، وفي الحقيقة لست من المتحاملين على هذا الخفاش بل تحمد له شجاعته إذا كانت بقصد التوبة الحقيقية وليس بقصد كسب مناصرين ومريدين جدد كما هو الحال لدى بعض من يتكسبون من الدين على أية حال كانوا، وذلك بتنفير الناس منه فهؤلاء أشد إساءة للدين كما قال الدكتور مصطفى السباعي:(الذين يسيئون فهم الدين أخطر عليه من الذين ينحرفون عن تعاليمه، أولئك يعصون الله وينفِّرون الناس من الدين وهم يظنون أنهم يتقرَّبون إلى الله، وهؤلاء يتبعون شهواتهم وهم يعلمون أنهم يعصون الله ثم ما يلبثون أن يتوبوا إليه ويستغفروه).
كان أحرى بهذا الإمام "الخفاش" وأمثاله أن يبيّنوا الحق للناس ولا يكتمونه، ولا يكلِّفوني - وغيري من الكتاب الذين ليس لنا كبير باع في الفقه - الرد على أسئلة الأخ أبو العز وغيره، ليس لصعوبتها بل لأن عدد الصحف في المملكة لا يتجاوز العشر على أحسن تقدير، أما عدد المساجد فهو يزيد على خمسين ألفاً، وربما كان هذا العدد في مدينة الرياض وحدها، فلنتصور أن خطب جمعة متتالية عن الإرهاب ومفاهيمه الخاطئة سياسياً واجتماعياً تنطلق من خمسين ألف مسجد لمدة عام واحد فكم سيكون تأثير المساجد كبيراً وقتها في محو أيديولوجيات الإرهاب من الأذهان خاصة إذا تعاضد دور المسجد والمدرسة معاً فصحّح المسجد مفاهيم الكبار الخاطئة وثبّتت المدرسة مفاهيم الصغار الراشدة.
لن تكفي المساحة المتبقية من المقالة للإجابة على أسئلة القارئ أبو العز وأحيله - دفعاً للتكرار - إلى بعض المقالات التي رددت فيها بعض شبهات الإرهابيين منها (عقدة الاستعلاء بين الغرب والشرق) بتاريخ 29/5/2004 تناولت في نهايتها رأي الدكتور مصطفى السباعي عن موضوع الجزية وأهل الذمة، وكذلك مقالة (الإرهاب أفكار مميتة ومشاعر مقيتة) بتاريخ 5/6/2004 واستفدت فيها من آراء الدكتور البوطي في كتابه (الجهاد كيف نفهمه وكيف نمارسه؟) وأما سؤال الأخ عن الآيات 17 و72 و73 من سورة المائدة وأنها تنص على كفر اليهود والنصارى قديماً وحديثاً، فالجواب أن هذه الآيات تدل على كفر طوائف محددة من النصارى ولا علاقة لها باليهود من قريب أو بعيد، وليس معنى أن هذه الطوائف كافرة تعميم هذا الكفر على كل النصارى، لأن هناك آيات قرآنية تبيّن أنهم ليسوا سواء، وبعض الآيات تخبر عن الذين كفروا من أهل الكتاب، فمعنى ذلك أن القسم الآخر من أهل الكتاب ليس بكافر، وهناك آيات أخرى تدلّ على أن المؤمنين من أهل الكتاب مصيرهم مثل مصير المؤمنين من أهل القرآن كما في الآية 62 في سورة البقرة:(إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون)، ولا أعتقد أن مهمة المسلم العادي الذي يتشارك مع أهل الكتاب في المجتمع الواحد أن يبحث عن كفرهم أو إيمانهم، أو أن يعتقد أن الكافرين منهم يجب قتلهم، والآية الثامنة في سورة الممتحنة تدل على ضرورة معاملة كل المخالفين لنا دينياً بالبر والعدل، ما داموا غير محاربين لنا، وأكبر دليل على ذلك معاملة الرسول عليه الصلاة والسلام ليهود المدينة المنورة ونصارى نجران.
أما الشبهات الأخرى في رسالة الأخ أبو العز فهي حول يهود بني قريظة، والرد هنا أن حكم الله نزل من فوق سبع سماوات بحقّهم بسبب خيانتهم للعهد الذي دخلوا فيه مع المسلمين (لهم ما لنا وعليهم ما علينا)، وكذلك كان مصير يهود خيبر، ولا يحقّ لأحد الآن أن يعتقد أنه يقوم - قتالياً - بما قام به رسول الله عليه الصلاة والسلام، ولو أردنا الاقتداء الحقيقي به لكان أولى أن نقتدي به في العهد المكي حيث كان المسلمون مستضعفين فمُنعوا من القتال، إذ الجهاد القتالي يأتي بعد التمكين لا قبله، وهو جهاد الدفع فقط أما جهاد الطلب حالياً فهو الحوار مع المخالف لأنه لغة العصر.