يستحق الاهتمام والدراسة برنامج «المناصحة» السعودي، الذي خضع له الموقوفون علىذمة الارتباط بأفكار تنظيم القاعدة واستهدف تصحيح أفكارهم وتطبيع علاقاتهم معالمجتمع، الذي خاصموه واتهموه وانقلبوا عليه. لذلك لم أستغرب ما قرأته في «الشرقالأوسط» (في 8/8) عن متابعة احدى اللجان الدولية للتجربة، وسعيها للحصول علىمعلومات وافية عن البرنامج الذي أعدته السلطات السعودية في هذا الصدد، للإفادة منهفي الجهود العالمية الرامية إلى مكافحة الإرهاب. وحسب الكلام المنشور فإن المملكةتلقت رسالة بهذا المعنى من منسق فريق الرصد التابع للجنة العقوبات التي شكلها مجلسالأمن، ريتشارد باريت، وهي المنوط بها جمع المعلومات من الدول المختلفة للوقوف علىخبراتها في التصدي لما يسمى بالفكر القاعدي.
فيما نشر أيضا إشارة إلى أن البرنامج ترعاه وزارة الداخلية السعودية، التي أنفقتعلى تنفيذه قرابة عشرة ملايين ريال، في حين أنفقت على الموقوفين الذين أطلق سراحهم (عددهم 700 شخص) حوالي 76 مليون ريال، وليست هناك تفصيلات مذكورة عن البرنامج،باستثناء أن أربع لجان فرعية تتولى تنفيذه، واحدة علمية، وأخرى نفسية اجتماعية،وثالثة أمنية، والرابعة إعلامية. أما العناصر المشاركة في التنفيذ فتضم 160 عضوا منالمختصين بالعلوم الشرعية، و40 من المختصين بعلم النفس والاجتماع. وهؤلاء يتولوندراسة كل حالة، للتعرف على أفكار الشخص وقناعاته، ثم على ظروفه الاجتماعيةوالنفسية، والأسباب التي دفعته الى تبني الفكر القاعدي. وفي ضوء هذه المعلوماتيتعاملون مع الحالة بما يساعد الشخص على تصحيح أفكاره وتصويب علاقته بالمجتمع. ويفهم قارئ التقرير المنشور في هذا الصدد أن برنامج المناصحة يخضع لعملية تطويرمستمرة، في ضوء النتائج التي يحققها أولاً بأول.
لا أستطيع أن أرصد على وجه الدقة الفرق بين برنامج المناصحة السعودي، وفكرة «المراجعات» التي ظهرت في مصر خلال السنتين الأخيرتين، وهي التي استهدفت تصحيحأفكار حركتي الجماعة الإسلامية والجهاد، اللتين قامتا بعمليات العنف والارهاب فيمصر في الثمانينات وأوائل التسعينات، إذ رغم أن الهدف واحد وهو تصحيح الأفكار، ألاأن عملية التصحيح في التجربة السعودية قام بها الخبراء الذين عينتهم الدولة، في حينأنها في التجربة المصرية تمت بواسطة الموقوفين أنفسهم الذين راجعوا أفكارهموفندوها، ثم عدلوا عن أهمها، وأثبتوا ذلك العدول في عدة رسائل تم طبعها وتوزيعها. وليس لوزارة الداخلية دور ظاهر في العملية، لكن الثابت أنها كانت تتابع هذهالحوارات عن كثب، وأنها شجعتها ويسرت للراغبين في المراجعات ما احتاجوه من كتبومصادر، كما يسرت لهم التجول في السجون المختلفة لمناقشة قيادات وقواعد الحركتينالذين توزعوا عليها.
صحيح أن ثمة خلافاً بين فكر القاعدة والفكر الجهادي في مصر، الا أن هذا الخلاففي الدرجة وليس في النوع، فالأول في صيغته الأخيرة يعتبر العمليات الانتحارية نهجافي العنف، كما أن اشتباكه ليس مع الأوضاع القائمة داخل البلد فحسب، ولكنه ممتد الى «الصليبيين والصهاينة»، كأنه مشتبك مع الغرب كله. ولكن الفكر الجهادي المصري تعاملمع العمليات الانتحارية كاستثناء وليس قاعدة، كما أنه حصر معركته ضد الاوضاعالقائمة داخل البلد، ولم يعرف أنه وسعها إلى الحدود التي ذهب اليها فكر القاعدة. ففضلاً عن ذلك فبوسعنا ان نرصد نضوجاً فكرياً لدى عناصر «الجهاديين» اكبر منه وأرسخعن «القاعديين». وذلك يقودنا الى ملاحظة أخرى هي أن المراجعات بين الجهاديينالمصريين تمت على مستوى القيادات المؤسسة، في حين أن المناصحة التي تمت في التجربةالسعودية حققت مرادها على مستوى القواعد، وهو ما يعني ان الشوط لا يزال طويلاً أمامالجهد السعودي لإنجاز التصويب المطلوب.
برغم هذا التباين، فإننا نلاحظ على الجانب الآخر أن تفكير أجهزة الداخلية والأمنالمعلن في السعودية والمبطن في مصر اتجه الى التعامل مع الافكار، ولم يكتفبالأساليب الأمنية المعتادة (التوقيف والمحاكمة). وذلك توجه محمود لا ريب. نلاحظايضاً ان جهد التجربة السعودية تجاوز تصحيح الأفكار إلى التعامل مع الاوضاعالاجتماعية للموقوفين، انطلاقاً من أن الاقتناع بالصلة الوثيقة في بعض الاحيان بينالظروف الاجتماعية والاقتصادية (البطالة والعجز عن تكوين أسرة والإنفاق عليها مثلا) وبين التحولاتالفكرية، وهو مدى لم تذهبإليه الخبرة المصرية في هذا المجال. وان كنت قد سمعت معلومات غير مؤكدة عن دورلأجهزة الأمن في مساعدة بعض أسر المحكومين، أملا في أن يكون ذلك عاملاً مساعداً علىتهدئة خواطرهم والحفاظ على توازنهم النفسي.
إن جاز لي أن أسجل ملاحظات أخرى على هذا النهج، مستفيدا في ذلك من خبرة ثلاثةعقود على الاقل في التعامل مع ذلك الملف الشائك، فانني أوجزها فيما يلي:
* إن قضية أمن كل مجتمع تتجاوز بكثير قدرة اجهزةالامن، وذلك لا يقلل من دور تلك الأجهزة بطبيعة الحال، وإنماالمقصود ألا يترك شأن مكافحة التطرف والإرهاب لهذه الأجهزة وحدها. ذلك أن جهدالمناصحة السعودي بخبرة المتخصصين في العلوم الشرعية وعلم النفس والاجتماع، وليس منشك أن الثقافة السائدة وسلوك السلطة في تعاملها مع المجتمع، لها دورها في إذكاءالتطرف أو إضعافه ومحاصرته. من هذه الزاوية فإنه يتعين الانتباه إلى أهمية التعليموالإعلام في تكوين الشخصية وصياغة الادراك العام. كما أن النموذج الذي تقدمه السلطةفي تعاملها مع المجتمع يربي الناس في هذا الاتجاه أو ذاك، فهناك نموذج يربي الناسعلى التسامح واحترام الآخر، وهناك نموذج آخر لا يخاطب الناس إلا بلغة المصادرةوالقمع، ولكل نموذج غرسه وحصاده.
* ان مناصحة الموقوفين وتصويب أفكارهم انجاز مهم للغاية، ولكن المناصحة تظلمطلوبة لأولي الأمر ايضاً، لأن سلوكهم وسياساتهم لها دور في توجيه المجتمع وتشكيلمنظومة القيم السائدة في المجتمع. وكما أسلفنا تواً، فإن انحيازهم إلى التسامحواحترام القانون ورعاية حقوق الإنسان يعلي من شأن هذه القيم بما يشيع بين الناسمختلف الخصال السياسية والاجتماعية الحميدة التي نصبو اليها، بقدر ما أن انحيازهمإلى التسلط وإهدار القانون وانتهاك حقوق الانسان يربي الناس على سلوك مناقض للأولتماماً.
* إن مخاطبة الموقوفين تحل جزءاً من الإشكال، من حيث انها تتعامل مع من عرفوابانحراف أفكارهم أو اشتبه في أمرهم. إن شئت فقل انهم يمثلون الجزء الظاهر من جيلالأزمة، ولكن يتعين الانتباه الى أن الحركة تظل مطلوبة خارج هذه الدائرة، وأعنيبذلك العناصر المجهولة المعبأة بمشاعر السخط والغضب، والمرشحة بقوة للالتحاق بأيتنظيم متطرف أو إرهابي. وهؤلاء المجهولون هم «الاحتياطي الاستراتيجي» لمشروعاتالتطرف والارهاب، الذي لا يمكن القضاء عليه إلا من خلال الجهد الموازي المبذول علىصعيد الثقافة السائدة، والمتمثل في السلوك السياسي والمناخ العام يفرزه. * اننا في التعامل مع التطرف والارهاب يجب ان ننطلق من تحليل امين للواقع للتعرفعلى محاضن ذلك الجنوح ونطاقه، وهذا الواقع يختلف باختلاف كل مجتمع، سواء في تركيبتهالتاريخية أو وضعه الجغرافي، أو ظروفه الثقافية والاقتصادية والسياسية، ولذلك يتعذراستنساخ تجارب مكافحة الجنوحالفكري، التيقد تحقق نجاحاً في بلد في حين تمنى بفشل ذريع في بلد آخر. يكفي في ذلك أن مفهومالتطرف ذاته يختلف من بلد الى آخر. فالانتظام في أداء الصلوات بالمساجد في بعضالأقطار العربية يوفر شبهة التطرف، كما أن الحجاب أو النقاب من قرائن التطرف فيأقطار أخرى (تونس مثلا) .
* إننا حين نتحدث عن التطرف فإن الأذهان تتجه مباشرة الى سلوك الأفرادوالجماعات. وفي أغلب الحالات فإن الجميع ينسون أو يتجاهلون تطرف الأجهزة والأنظمة،الذي كثيراً ما يكون سبباً لتفجير طاقة السخط والغضب لدى بعض قطاعات المجتمع، ومنثم يحدث رد فعل مواز من جنسه. واذكر أنني كتبت في أعقاب القصف الأمريكي العنيفلأفغانستان والعراق، أن نظامي طالبان وصدام حسين كانا متطرفين فعلاً بصورة أو أخرى،ولكن الذي فعلته بهما الولايات المتحدة لم يكن اعتدالاً بأي حال.
* إن ثمة انشغالاً بالتطرف والارهاب وهو أمر مفهوم ومبرر، بل انشغال ضروري، لكنالاكتفاء به ليس من الحكمة او الحصافة في شيء، لأنه يتعين الانتباه الى ان تيسيرقنوات الاعتدال وفتحها على مصراعيها أمام الجميع، هو الجهاد الأكبر على ذلك الصعيد. ومن أسف ان التركيز على التطرف غيب هذه الحقيقة. وفي التجربة المصرية درس مهم فيهذا السياق، ذلك ان عناصر الجهاديين الذين اطلق سراحهم بعد المراجعات عدلوا عنالعنف حقاً، لكنهم لم يجدوا بعد خروجهم بديلا ينخرطون فيه، ويعرضون من خلاله حماسهموطاقاتهم الراغبة في المشاركة في العمل العام. وأخشى ما أخشاه أن يجد بعضهم أنأبواب المشاركة السلمية مغلقة في وجوههم، بحيث تصبح العودة الى العنف هو المنهجالوحيد المتاح لهم.
إنني لا أمل من التذكير بمقولة فقهائنا الذين قالوا ان محاربة الحرام لا تتمبحظره والتحذير من مغبته، وانما يتم انجازها على نحو افضل بتيسير الحلال أمام الناس.