ماطت وزارة الداخلية مؤخراً اللثام عن اعترافات بعض أفراد الفئة الضالة لخليتي بقيق والصالحية بمكة المكرمة. وكم سعدت بعرض هذه الاعترافات أمام المشاهدين لسبب بسيط ألا وهو تعرية هؤلاء المنحرفين...
حيث إن اعترافاتهم فيها من التناقض وفساد المنطق الشيء الكثير. وحين يتعرّف الجمهور على كل هذا يكون لديه حصانه ضد الشبهات التي قد يتعرض لها.
لقد تابعت هذه الاعترافات بشغف باحثاً عن ملامح هؤلاء المنحرفين السيكولوجية. ولا أخفيكم السر أن دراسة هذه الفئة من الناس دراسة سيكولوجية تعتبر أمراً في غاية الصعوبة، حيث إنهم لا يتطوّعون لغجراء الدراسات عليهم. ومع هذا نجح بعض العلماء في دراسة سيكولوجية هذه الفئة غير العادية. ولعل في مقدمتهم عالمة النفس الأمريكية الشهيرة رونا فيلدز التي قامت بهذا الأمر لأكثر من ثلاثين سنة.. فماذا وجدت فيلدز؟
تقول فيلدز إن الفئة الضالة ليس بمقدورها النظر في الأمور بأكثر من منظارين، حيث إن تعريفهم للصح والخطأ إما أبيض أو أسود، فلا يمكن أن تستوعب هذه العقليات أن هناك منطقة رمادية يوجد فيها الصح والخطأ. فما بالك بوجود العديد من الدرجات لهذه المنطقة الرمادية وفي كل منها الصح والخطأ! إنه ضيق الفكر، فعندما يكون الفكر منغلقاً لا يتسع ليرى ما حوله. بمعنى آخر لا وجود لدى هؤلاء المنحرفين لمبدأ الوسطية. ونحن نعلم أن الوسطية والاعتدال هي روح الإسلام، يقول تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللّهُ وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} (143) سورة البقرة.
وفي الحديث الذي رواه أنس بن مالك رضي الله عنه يقول: جاء ثلاث رهط إلى بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، يسألون عن عبادة النبي صلى الله عليه وسلم، فلما أُخبروا كأنهم تقالّوها، فقالوا: أين نحن من النبي صلى الله عليه وسلم؟ قد غفر الله له ما تقدّم من ذنبه وما تأخر، قال أحدهم: أما أنا فإني أصلي الليل أبداً، وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبداً، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله أني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوّج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني).
تقول فيلدز إن أحد جوانب عقلية الفئة الإرهابية هو أنهم (يخضعون لسلطة زعيم متحكم لا يدع لديهم فرصة للنقاش أو حتى لمحاولة الفهم. ولذلك نجد أنهم يعانون من خلل واضح في قدرتهم على التفكير. ومن سمع اعترافات خلية الصالحية يرى هذا الجانب واضحاً. يقول أحدهم إن زعيمهم كان يحدثهم عن كفر الدولة. وعندما كانوا يريدون الاستيضاح كان لا يدع مجالاً لهم، حيث يقول أقول لكم يقول الله ورسوله وتقولون ما تقولون. إذاً لا مجال للتفكير ولا لإبداء الرأي. بمعنى آخر لا مجال لأن يفهم الإنسان، لأنهم يريدونه غير فاهم ليتسنّى لهم برمجته وإرساله للموت وهو يضحك!
ونحن نعلم أن التفكير واستفتاء النفس من الأمور التي دعانا لها ديننا الحنيف. ففي الحديث الذي ورد في مسند الإمام أحمد يقول وابصة بن معبد: (أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أريد أن لا أدع شيئاً من البر والإثم إلا سألته عنه وإذا عنده جمع فذهبت أتخطى الناس فقالوا إليك يا وابصة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إليك يا وابصة فقلت أنا وابصة دعوني أدنو منه فإنه من أحب الناس إلي أن أدنو منه فقال لي ادن يا وابصة ادن يا وابصة فدنوت منه حتى مست ركبتي ركبته فقال يا وابصة أخبرك ما جئت تسألني عنه أو تسألني فقلت يا رسول الله فأخبرني قال جئت تسألني عن البر والإثم قلت نعم فجمع أصابعه الثلاث فجعل ينكت بها في صدري ويقول يا وابصة استفت نفسك البر ما اطمأن إليه القلب واطمأنت إليه النفس والإثم ما حاك في القلب وتردد في الصدر وإن أفتاك الناس قال سفيان وأفتوك).
إن غالبية أعضاء هذه الفئة يعانون من اضطرابات نفسية ولا سيما فيما يتعلق بتقدير الذات. لذلك نجدهم ينجذبون للشخصيات التي تقودهم وتظهر نوعاً من الكارزما. وعليه فهم على استعداد لعمل ما يمليه هذا القائد عليهم من أجل تعويض النقص الذي يشعرون بهم. ولو قادهم الأمر إلى تفجير أنفسهم.
ومما يؤسف له فعلاً ذلك التناقض الواضح في تفكير هؤلاء. يقول أحد أفراد خلية بقيق أنهم كانوا يهدفون إلى جلب الكفار إلى جزيرة العرب. فيا سبحان الله. ألم يكن مبرر حملاتهم الإرهابية الأولى إخراج الكفار من جزيرة العرب. أإلى هذه الدرجة هم أغبياء أم نحن الأغبياء في نظرهم! إن المجتمع السعودي مجتمع متدين بطبعه. لذلك قد يدخل عليه من مدخل الدين. ومن المؤسف أن بعض العامة ينساقون خلف طرح هؤلاء الخوارج. والذين قد يلبسون على الناس بالتظاهر بالتدين. وهم الذين قال فيهم الرسول صلى الله عليه وسلم (يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الإِسلام مروق السهم من الرمية). يقول أبو سعيد الخدري: بعث عليّ عليه السلام إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم بذُهَيبة في تربتها، فقسمها بين أربعة: بين الأقرع بن حابس الحنظلي ثم المجاشعي، وبين عيينة بن بدر الفزاري، وبين زيد الخيل الطائي ثم أحد بني نبهان، وبين علقمة بن علاثة العامري ثم أحد بني كلاب قال: فغضبت قريش والأنصار. وقالت: يعطى صناديد أهل نجد وَيَدَعُنا؟ فقال: (إنّما أتألَّفهم) قال: فأقبل رجل غائر العينين مشرف الوجنتين ناتئ الجبين، كثُّ اللحية محلوق قال: اتَّقِ اللّه يا محمد، فقال: (من يطيع اللّه إذا عصيته، أيأمنني اللّه على أهل الأرض ولا تأمنوني؟) قال: فسأل رجل قتله، أحسبه خالد بن الوليد قال: فمنعه، قال: فلما ولّى قال: (إنَّ من ضئضئي هذا، أو في عقب هذا قوماً يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الإِسلام مروق السهم من الرمية، يقتلون أهل الإِسلام ويدعون أهل الأوثان، لئن أنا واللّه أدركتهم لأقتلنهم قتل عادٍ).
وفي الحديث الذي رواه علي: إذا حدثتكم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثاً، فوالله لأن أخرَّ من السماء، أحب إلي من أن أكذب عليه، وإذا حدثتكم فيما بيني وبينكم، فإن الحرب خدعة، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (سيخرج قوم في آخر الزمان، أحداث الأسنان، سفهاء الأحلام، يقولون من خير قول البريَّة، لا يجاوز إيمانهم حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرميَّة، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجراً لمن قتلهم يوم القيامة). يقول ابن حجر المقصود بخروجهم من الدين هو خروجهم من طاعة ولي الأمر.
ومن المدهش أن نرى هؤلاء الإرهابيين لا يتورعون عن القيام بأي شيء من شأنه إيصالهم إلى هدفهم وهو القتل، حيث كانوا يلبسون ملابس نسائية مع مخالفة هذا الأمر للإسلام. فقد روى ابن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قد قال (لعن الله المتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال). واللعن هو الإبعاد والطرد من رحمة الله. فكيف يقوم من يدّعي نصرة الدين بعمل من شأنه أن يعرّضه للطرد من رحمة الله، أي تناقض هذا!
أضف إلى هذا أنهم كانوا لا يصلون الصلاة في جماعة المسجد. فحسب اعترافات خلية الصالحية كانوا يصلون داخل شقتهم. ونحن نعلم أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد همَّ بإحراق الذين لا يشهدون الصلاة في جماعة المسجد في بيوتهم. فلقد روى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (والذي نفسي بيده، لقد هممت أن آمر بحطب فيحطب، ثم آمر بالصلاة فيؤذن لها، ثم آمر رجلاً فيؤم الناس، ثم أخالف إلى رجال فأحرق عليهم بيوتهم، والذي نفسي بيده، لو يعلم أحدهم: أنه يجد عرقاً سميناً، أو مرماتين حسنتين لشهد العشاء).
وفي الختام يتضح لنا جلياً مدى التخبط والتناقض الذي وقع فيه أفراد الفئة الضالة. فهم في تناقض مع أنفسهم كما رأينا وفي تناقض مع الفهم الصحيح لدينهم، بل في تناقض مع أبسط مفاهيم الإنسانية. مثل هذه التناقضات بحاجة إلى إبراز وإلى معالجة. كما أن دورنا كأبناء مخلصين لهذا الوطن الغالي ولحكومته الشرعية والرشيدة يحتم علينا محاربة مثل هذا الفكر الضال كل من موقعه.