للظاهرة الإرهابية التي تعصف بمجتمعنا حالياً جذور ثقافيةتمدها بإكسير النمو والحياة وتجعل منها أداء واجب مقدس لما يعتقد الإرهابيون أنهأمانة مكلفين بها ضد المجتمع الذي وصفه سيد قطب ومن بعده الأيديولوجية الإخوانيةبالمجتمع الذي ارتد على عقبيه إلى الجاهلية الأولى، مما يجعل من إعادته إلى حظيرةالإسلام مهمة مقدسة ملقاة على عاتق من سماها قطب ب"العصبة المجاهدة" التي يعتقدالإرهابيون الجدد أنهم طلائعها والمبشرون بها.
من أبرز ما يتكئ عليها الفكر المتطرف في تنفيذ مشروعه الأيديولوجي/ السياسيثقافياً عاملان رئيسيان أولهما: مقولات التكفير الشائعة في مناشطنا الثقافية،الصفية منها واللاصفية، وثانيهما التكييف الخاطئ لمفهوم الولاء والبراء، مما يتطلبمحاصرة الأول وتضييق الخناق على مناشطه إلى أبعد حدود، وكذلك إعادة تفسير الثانيبما يتواءم والنصوص القرآنية التي قررت في كلياتها بأن التسامح هو الأصل فيالعلاقات بين البشر بعيداً عن معتقداتهم وأديانهم، فبالنسبة للتكفير، يجب أن تنصبالجهود رسمياً وشعبياً على محاصرته والتضييق عليه، وتكمن محاصرته رسمياً في نواحعدة أهمها: ضرورة تنقية المناهج الدراسية تماماً من أي نفس تكفيري سواء أكان موجهاًللأعيان أم للأفكار، بحيث يشمل ذلك تنقيحها من تكفير كافة المذاهب الإسلامية، وبحيثيقتصر التعرض لها في المناهج إن كان ولابد، على الإشارة إلى أصولها الفكرية مأخوذةمن مراجع أصحابها لا من مراجع خصومهم، دون التعرض لتكفير مقولاتها أو أفرادها، وهذاالأمر يقع على عاتق لجنة تطوير المناهج بوزارة التربية والتعليم من ناحية مراجعةمحتوى المواد الدينية التي لا تزال تحفل بالكثير من مقولات التكفير سواء أكان ذلكصراحة أم ضمنا، رغم كل ما طرأ عليها من تطوير في مراحل سابقة.
كما تكمن محاصرة التكفير ومقولاته أيضا بحظر التعرض له في كافة المناشط الدعويةعلى اختلاف تمظهراتها، في الخطب المنبرية والمطويات الدعوية والمحاضرات والندوات،ويقع على عاتق وزارة الشئون الإسلامية كفل كبيرٌ في هذا الأمر من زاوية ضرورةمراقبتها لخطباء الجمعة حتى تختفي مفردة التكفير تماماً من خطبهم، مثلما يتطلبالأمر منها أيضاً تفعيل خططها لممارسة دور أكبر حيال إشرافها على الدعاة والمحاضرينومتعهدي المخيمات الدعوية، بحيث لا يُسمح بممارسة النشاط الدعوي إلا لمن هو حاصلعلى ترخيص رسمي من الوزارة، مع حتمية الإشراف المباشر والفعال من قبل فروعهاالمنتشرة في مناطق المملكة على أولئك الدعاة المرخص لهم رسمياً لتكون دعوتهم سلميةمتسامحة خالية من مفردات التكفير مرتكزة على قواطع الإسلام الكبرى من الدعوة إلىالعدل والإحسان والرفق بالناس والبر والصلة والتسامح وحسن الظن وإقفال البابنهائياً أمام استعراض خلافات الفرق الإسلامية وكل ما يمت لتاريخ الملل والنحل والتيمحلها الأقسام الأكاديمية البحتة بصلة مع ضرورة إيقاف ترخيص من لا يلتزم بهذا الخطالعام الناظم لمحاربة التكفير.
كذلك أيضاً لا بد من تشديد الرقابة على المخيمات الدعوية التي تُعقد مناشطهاخارج البنيان بعيداً عن أعين الرقيب، والتي تُقسر فيها عقول الناشئة على تمثل رؤيةللإسلام آحادية متشددة تنسف المختلف وتجعل من التضحية به في النهاية قرباناً إلىالله برسم حماية جناب التوحيد!!! كما ويجب التشدد في إنتاج وتوزيع الأشرطةالإسلامية بحيث يكون إنتاجها مقصوراً على المؤسسات المصرح لها من قبل الجهاتالأمنية أولاً قبل الترخيص لها من قبل وزارة الإعلام، مع حظر توزيع الأشرطة فيالمساجد والحفلات والأعراس والسيارات التي بدأت تجوب الشوارع حالياً حاملة يافطةمدوية عنوانها "إذا كنت تريد استبدال أشرطة الغناء بأشرطة إسلامية فلا تتردد فيإيقافي" .
يمكن تفعيل هذه المحاصرة الضرورية للتكفير من تذكر أنه - أي التكفير - خاصة فيالمنظومة التقليدية - ينطوي على تجريد الإنسان من مقوماته الحياتية (الحكم بردتهوالتفريق بينه وبين زوجته وربما الحكم بقتله) وهذا يكفي لاعتبار التكفير بمثابة حقعام لا يجوز لآحاد الناس ولا لجمعهم مهما تعاظم هذا الجمع وتوهم القدسية بنفسهوبمعطياته الثقافية أن يحكموا به لأحد، بل يجب اعتباره - وفقاً لما يترتب عليه منتجريد المكفَّر من هويته - حقاً سيادياً للدولة فقط لا يجوز أن ينازعها فيه أحد،مثله مثل باقي الحقوق السيادية الأخرى.