مكافحة الإرهاب فكرياً
 
يوسف أباالخيل

للظاهرة الإرهابية التي تعصف بمجتمعنا حالياً جذور ثقافية تمدها بإكسير النمو والحياة وتجعل منها أداء واجب مقدس لما يعتقد الإرهابيون أنه أمانة مكلفين بها ضد المجتمع الذي وصفه سيد قطب ومن بعده الأيديولوجية الإخوانية بالمجتمع الذي ارتد على عقبيه إلى الجاهلية الأولى، مما يجعل من إعادته إلى حظيرة الإسلام مهمة مقدسة ملقاة على عاتق من سماها قطب ب"العصبة المجاهدة" التي يعتقد الإرهابيون الجدد أنهم طلائعها والمبشرون بها .

من أبرز ما يتكئ عليها الفكر المتطرف في تنفيذ مشروعه الأيديولوجي/ السياسي ثقافياً عاملان رئيسيان أولهما: مقولات التكفير الشائعة في مناشطنا الثقافية، الصفية منها واللاصفية، وثانيهما التكييف الخاطئ لمفهوم الولاء والبراء، مما يتطلب محاصرة الأول وتضييق الخناق على مناشطه إلى أبعد حدود، وكذلك إعادة تفسير الثاني بما يتواءم والنصوص القرآنية التي قررت في كلياتها بأن التسامح هو الأصل في العلاقات بين البشر بعيداً عن معتقداتهم وأديانهم، فبالنسبة للتكفير، يجب أن تنصب الجهود رسمياً وشعبياً على محاصرته والتضييق عليه، وتكمن محاصرته رسمياً في نواح عدة أهمها: ضرورة تنقية المناهج الدراسية تماماً من أي نفس تكفيري سواء أكان موجهاً للأعيان أم للأفكار، بحيث يشمل ذلك تنقيحها من تكفير كافة المذاهب الإسلامية، وبحيث يقتصر التعرض لها في المناهج إن كان ولابد، على الإشارة إلى أصولها الفكرية مأخوذة من مراجع أصحابها لا من مراجع خصومهم، دون التعرض لتكفير مقولاتها أو أفرادها، وهذا الأمر يقع على عاتق لجنة تطوير المناهج بوزارة التربية والتعليم من ناحية مراجعة محتوى المواد الدينية التي لا تزال تحفل بالكثير من مقولات التكفير سواء أكان ذلك صراحة أم ضمنا، رغم كل ما طرأ عليها من تطوير في مراحل سابقة .

كما تكمن محاصرة التكفير ومقولاته أيضا بحظر التعرض له في كافة المناشط الدعوية على اختلاف تمظهراتها، في الخطب المنبرية والمطويات الدعوية والمحاضرات والندوات، ويقع على عاتق وزارة الشئون الإسلامية كفل كبيرٌ في هذا الأمر من زاوية ضرورة مراقبتها لخطباء الجمعة حتى تختفي مفردة التكفير تماماً من خطبهم، مثلما يتطلب الأمر منها أيضاً تفعيل خططها لممارسة دور أكبر حيال إشرافها على الدعاة والمحاضرين ومتعهدي المخيمات الدعوية، بحيث لا يُسمح بممارسة النشاط الدعوي إلا لمن هو حاصل على ترخيص رسمي من الوزارة، مع حتمية الإشراف المباشر والفعال من قبل فروعها المنتشرة في مناطق المملكة على أولئك الدعاة المرخص لهم رسمياً لتكون دعوتهم سلمية متسامحة خالية من مفردات التكفير مرتكزة على قواطع الإسلام الكبرى من الدعوة إلى العدل والإحسان والرفق بالناس والبر والصلة والتسامح وحسن الظن وإقفال الباب نهائياً أمام استعراض خلافات الفرق الإسلامية وكل ما يمت لتاريخ الملل والنحل والتي محلها الأقسام الأكاديمية البحتة بصلة مع ضرورة إيقاف ترخيص من لا يلتزم بهذا الخط العام الناظم لمحاربة التكفير .

كذلك أيضاً لا بد من تشديد الرقابة على المخيمات الدعوية التي تُعقد مناشطها خارج البنيان بعيداً عن أعين الرقيب، والتي تُقسر فيها عقول الناشئة على تمثل رؤية للإسلام آحادية متشددة تنسف المختلف وتجعل من التضحية به في النهاية قرباناً إلى الله برسم حماية جناب التوحيد!!! كما ويجب التشدد في إنتاج وتوزيع الأشرطة الإسلامية بحيث يكون إنتاجها مقصوراً على المؤسسات المصرح لها من قبل الجهات الأمنية أولاً قبل الترخيص لها من قبل وزارة الإعلام، مع حظر توزيع الأشرطة في المساجد والحفلات والأعراس والسيارات التي بدأت تجوب الشوارع حالياً حاملة يافطة مدوية عنوانها "إذا كنت تريد استبدال أشرطة الغناء بأشرطة إسلامية فلا تتردد في إيقافي " .

يمكن تفعيل هذه المحاصرة الضرورية للتكفير من تذكر أنه - أي التكفير - خاصة في المنظومة التقليدية - ينطوي على تجريد الإنسان من مقوماته الحياتية (الحكم بردته والتفريق بينه وبين زوجته وربما الحكم بقتله) وهذا يكفي لاعتبار التكفير بمثابة حق عام لا يجوز لآحاد الناس ولا لجمعهم مهما تعاظم هذا الجمع وتوهم القدسية بنفسه وبمعطياته الثقافية أن يحكموا به لأحد، بل يجب اعتباره - وفقاً لما يترتب عليه من تجريد المكفَّر من هويته - حقاً سيادياً للدولة فقط لا يجوز أن ينازعها فيه أحد، مثله مثل باقي الحقوق السيادية الأخرى .

 
 
 
Email : info@laanansa.com جميع الحقوق محفوظة لموقع حتى لا ننسـى