. الكلباني : الدفاع عن الوطن بالسلاح والكلمة جهاد في سبيل الله ومن قتل دون ذلك فنرجو له الشهادة
 

الرياض :
ألقى الشيخ عادل الكلباني إمام وخطيب جامع الملك خالد بأم الحمام بمدينة الرياض خطبة في 1428/4/24ه، عن عقوبة الإفساد في الأرض ومخاطره على المجتمع والأمة .
وقال إن تدمير الممتلكات وسفك الدماء الطاهرة وقتل النفس بغير حق باسم الجهاد كذب وزور وبهتان مبين، وهو خنجر يطعن قلب الأمة ويضعف قوتها ويجعلها لقمة سائغة للعدو، مشيراً إلى أن من اعتنق فكر الفساد والإفساد في هذه الأرض المباركة فهو جهاد مع العدو لا ضده .
وأضاف: "إن الدفاع عن الوطن بالسلاح والكلمة هو جهاد ولا ريب لمن أخلص نيته، ومن قتل في سبيل ذلك فنرجو له الشهادة ".
وأشار إلى أن رجال الأمن كسروا شوكة عتاة الفساد والإفساد واقتلاع جذور نبت البغاة والخوارج المروعين للعباد .
وفيما يلي نص الخطبة

الخطبة الأولى :
الحمد لله خلق الموت والحياة وسجدت لعظمته الجباه، أحمده سبحانه حمد عبد مقر بفضل مولاه فهلج بشكره في صبحه ومساه وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له أمر أن لا نعبد إلا إياه فهو الخالق الزراق فلا يستحق العبادة أحد سواه وأشهد أن محمداً عبده ورسوله مختاره ومصطفاه، رفع منزلته فأسرى به ثم عرج به فقربه وأدناه، حتى بلغ سدرة المنتهى فأوحى إليه وناجاه، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تولاه وسار على نهجه وترسم خطاه وسلم تسليماً. أما بعد فاتقوا الله عباد الله فإن تقوى الله زاد الوصول إليه وأمنه الوقوف بين يديه، ومهر الجنة العالية والقطوف الدانية. أمة الإسلام إن أخسر الناس عملاً من يخطئ ويرى أنه مصيب، ومن يسيء ويرى أنه يحسن، من يخسر ويرى أنه يربح، من يسير في طريق الضلال ويرى أنه في طريق الهدى، من يهدم ويرى أنه يشيد البناء، من يفسد ويرى أنه يؤسس الاصلاح وصدق الله إذ يقول:(أفمن زين له سوء عمله فرآه حسناً فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء فلا تذهب نفسك عليهم حسرات إن الله عليم بما يصنعون)، فأهل الفساد عموماً كفاراً كانوا أو فجاراً، فسقة كانوا أو ضلالاً، كلهم يعمل أعمالاً سيئة وهو يعتقد ويحسبون أنهم يحسنون صنعاً، وهذا من مكر الله بهم أذ لا يرون الأمر على حقيقته فقد أضلهم الله فما لنا فيهم حيلة وما إلى هدايتهم طريق الفلاح وسيلة في البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة فأفضلها قول: لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان"، وفيهما من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "بينما رجل يمشي بطريق وجد غصن شوك على الطريق فأخره فشكر الله له فغفر"، له أترون عباد الله إزاحة شوكة تساوي جنة عرضها السموات والأرض إن الأمر عظيم لعظم أثره فالشوكة قد تؤذي أحداً من المسلمين، أقول قد ولما يتحقق أذاها كيف لو تحقق بها الأذى فليست القضية قضية شوكة أميطت ولكنها قضية رفع أذى ولو متوقعاً لمسلم، فواعجبا ممن يضع الشوك في طريق المسلمين وواعجب ممن يقذف الرعب في قلوب الموحدين، وواعجباً ممن يروع الآمنين من المسلمين، وواعجباً ممن يسفك دماء المسلمين يهلك حرثهم ويسعى في الفساد في أرضهم، ويرفع السلاح في وجوههم، ويقطع نسلهم. وإن تعجب فعجب قولهم نقتل المسلمين جهاداً في سبيل الله، ونروع الآمنين دفاعاً عن مقدسات الأمة وإعلاء لكلمة الله ونشر للحق والفضيلة وإصلاحاً أردناه للبلاد، وعزاً ورفعة للعباد والله يشهد إنهم لكاذبون فلا والله ليس في فعلهم هذا أي صلاح أو إصلاح وليس هو من الجهاد إلا أن يكون جهاداً مع إبليس وحزبه ونصرة للباطل وأهله فهو جهاد معكوس ورأي منحوس فتدمير المملتلكات وسفك الدماء الطاهرة وقتل النفس بغير حق باسم الجهاد كذب وزور وبهتان مبين وهو خنجر يطعن قلب الأمة ويضعف قوتها ويجعلها لقمة سائغة للعدو، إذ به تتفرق الكلمة وتضعف الهمة ولكن كما قال الله تعالى (أفمن زين له سوء عمله فرآه حسناً ).
أيها المسلمون: في سور الأحزاب وهي السورة التي ذكر فيها تجمع أعداء الله تعالى لمحاربة دينه، وإطفاء نوره، وهدم بنيان شريعته، فيها يقول الحق تبارك وتعالى (والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتاناً وإثماً مبيناً) فأذية المؤمنين بالأفعال وبالأقوال كبيرة من الكبائر وفي الآية تحريم أذى المسلم إلا بوجه شرعي كالمعاقبة على ذنب ويدخل فيها كل ما يؤذي المسلم كالبيع على بيعه، والسوم على سومه والخطبة على خطبته ونص الشافعي رحمه الله تعالى على أن أكل المرء مما يلي غيره حرام إذا اشتمل على إيذائه. وقال قتادة إياكم وأذى المؤمنين فإن الله يحوطه ويغضب له. وقال الفضيل لا يحل لك أن تؤذي كلباً أو خنزيراً بغير حق فكيف، أي كيف بأذى المؤمن. وكان ابن عون رحمه الله تعالى لا يكري الحوانيت إلا من أهل الذمة لما فيه من الروعة عند كر الحول، أفلا نعجب من حال سلف هذه الأمة يحذر من أذى مؤمن ولو بشيء مشروع له تورعاً واحتياطاً وأناس يزعمون السلفية ويتشدقون بالدعوة وأنهم يريدون تحكيم كتاب الله في عباد الله ثم هم يبدأون طريقهم بمخالفة الكتاب والسنة .
ولو تأملت أخي الحبيب كيف أن الله تعالى أورد تحريم أذى المؤمنين في سورة الأحزاب لأدركت أن أذى المؤمنين من أعظم أسباب تسلط الأعداء ومن أنجع وسائل نصرة العدو وتمكنه من دماء المسلمين وأعراضهم ثم إن هذه الآية أعقبت قوله جل وعلا: (إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذاباً مهيناً) وفيه إشارة إلى أن من أعظم الأذية لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم أذية اتباعه والعاملين بشريعته، ومن هنا فإن ما تقوم به فئة ضلت طريقها وخرجت عن سبيل أمتها وفارقت جماعتها لحشد السلاح والتخطيط لضرب المنشآت ظلم وعدوان وهدم للبنيان. وكل من شارك معهم أو رضي بفعلهم أو برر حربهم وقتالهم للمسلمين وبرر خروجهم على ولاة الأمر منهم شاء أم أبى علم بذلك أو جهل هو حربة من حراب العدو وسهم من سهامهم وجنجر في يده وحزب من الأحزاب يفتك به ويقتل. يعين على المسلمين ولا يعينهم ينصر الأعداء ولا يخذلهم ويقويهم ولا يضعفهم، فهو جهاد مع العدو لا ضده هو جهاد في الجانب الآخر مع المغضوب عليهم والضالين معاشر المسلمين لزوال الدنيا أهون عند الله من سفك دم مسلم بغير حق وتضليل الاتباع في جعل البيعة بين الخوارج في المسجد الحرام لا يزيد هذا الضلال الا ضلالا داخل في قوله تعالى (ومن يرد فيه بالحاد بظلم نذقه من عذاب أليم) وفي خطبة الحبيب صلى الله عليه وسلم في الحج ان دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا وقال وستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم ألا فلا ترجعوا بعدي ضلالا يضرب بعضكم رقاب بعض فلا يصح أن يكون منهجاً لنبي الرحمة قتل الأبرياء وسفك الدماء وتلويث الماء والهواء وهو الذي نهى أن يشار الى المؤمن بحديدة أو أن يروع ونفى الايمان عمن لا يأمن جاره بوائقه وأثم من بات وجاره في جواره جائع فلا والله لا يمكن لمن هذه شريعته ان يبيح سفك دمه وترويع أمنه في منزله ونشر الرعب في طريقه او في مكتبه وعمله وأن تحشد القنابل لهدم اقتصاده وتدمير بلاده ويوم القيامة يقتص الله تعالى من الشاة القرناء للشاة الجماء نطحتها فكيف بما هو أعظم من ذلك؟ ودخلت امرأة النار في هرة حبستها فكيف يأمن النار سفاك الدماء وأول دم يسفكه دم نفسه ودما حرمه الله عليه (نبئوني بعلم إن كنتم صادقين) بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني واياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم أقول واستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم فاستغفروه انه هو الغفور الرحيم .

الخطبة الثانية :
الحمد لله القائل ونبلوكم بالشر والخير فتنمة والينا ترجعون وأشهد ان لا اله الا الله وحده لا شريك له عليه يتوكل المتوكلون وإليه يلجأ الخائفون واشهد ان محمدا عبده ورسوله ما خير بين امرين الا اختار ايسرهما ما لم يكن اثما فيا ليت قومي يعلمون صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديهم مهتد وما أعرض عنه المفترون وسلم تسليماً اما بعد فأتقوا الله عباد الله واعلموا أن تقوى الله توجب على العبد المتقي أن يقف حيث أمر بالوقوف فيفعل ما يؤمر ويجتنب ما أمر أن أن يجتنبه ما استطاع الى ذلك سبيلا اخوة الدين والعقيدة حافظوا على أمنكم ورزقكم عضوا على ذلك بالنواجذ بطاعة الله تعالى وامتثال أمره واتباع سنة نبيه صلى الله عليه وسلم ثم بالأخذ على أيدي هؤلاء السفهاء الذين يريدون نشر الرعب فيكم وهدم بنيانكم وسفك دمائكم وتفريق كلمتكم فلا والله ليس بعد الايمان نعمة أفضل من العافية كما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم العافية في الدين وفي الدنيا والأمن هو مربط ذلك كله فتعاونوا على الفتك بهم والقضاء عليهم واحذروا ممن يقلل من قيمة الولاء للوطن أو يهون من حبه والدفاع عنه والموت في سبيله قال جل وعلا (ألم تر إلى الملأ من بني إسرائيل من بعد موسى) إلى قوله قالوا (وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا) وقال جل جلاله (وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والوالدان) الآية وفي هذا دلالة على أهمية القتال بل وجوبه من الديار والدفع عنه وان هذا من الجهاد في سبيل الله والدفاع عن الوطن بالسلاح وبالكلمة والدفاع عن الوطن بالسلاح والكلمة جهاد ولا ريب فيه لمن أخلص نيته ومن قتل في ذلك فنرجو له الشهادة لقوله صلى الله عليه وسلم من قتل دون ماله فهو شهيد اخرجه البخاري ومسلم من حديث ابن عمر رضي الله الله عنهما وعند غيرهما من قتل دون أهله وفي رواية من قتل دون دينه وعند مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال جاء رجل الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يارسول الله أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي قال فلا تعطه مالك قال أرأيت أن قتلته قال هو في النار فعلى هذا فان كل من قتل دون أرضه او عرضه او ماله أو دينه او اهله فهو شهيد والوطن مال وعرض وأهل ودين ونشر الأمن في ربوعه غاية دينية شرعية بها يقام شرع الله وتطبق حدود الله وتعلو كلمة الله بالأمن يرفع الاذان ويمشي الناس الى الصلاة وبالأمن يقوم الاقتصاد وتدفع الى الفقراء الصدقة والزكاة بالأمن تسير الركاب الى البيت الحرام وعند المشعر الحرام يذكر الله فمد يدك داعيا لرجل الأمن يسهر يحفظ أمنك ويدرأ عنك الخطر بنفسه فيسيل دمه قتيلا او جريحا وكن معه قلبا وقالبا وادع له في وقت السحر بالتسديد والتوفيق والنصر والتمكين وتضرع الى الله ان مات ان يتقبله شهيدا وان جرح ان لا يجعل يوم شفائه بعيدا فيا أيها الساهرون على أمننا أخلصوا نياتكم وقوا عزيمتكم وسددوا رميتكم فأنتم تحمون حمى الدين وتدرءون الأذى عن المسلمين وهنيئا لنا ولكم بما حققتموه من كسر لشوكة عثاة الفساد وتكسر اضلاع الافساد واقتلاع جذور من نبت البغاة والخوارج المروعين للعباد وسيبقى الحق عالي الراية شامخ القامة لا يزيده المرض في جسمه الا مناعة وحصانة رد الله العافية الى جسد بلادنا عاجلا غير آجل اللهم اجعل هذا البلد امنا رخاء سخاء وسائر بلاد المسلمين اللهم من أفسد فيه أو أراد الافساد فيه فخذه أخذ عزيز مقتدر وصب عليه من العذاب صبا وأجعل قوته وسعيه هوانا وضعفا اللهم وفق القائمين على أمن بلادنا بتوفيقك وأيدهم بتأييدك وسدد آراءهم واربط على قلوبهم وسدد رميهم وقو عزائمهم وخذ بأيديهم ياذا الجلال والاكرام اللهم اعز الاسلام والمسلمين وأذل الشرك والمشركين ودمر أعداء الدين واصر عبادك الموحدين اللهم من أرادنا وأراد بلاد المسلمين فأشغله بنفسه وأجعل تدبيره تدميره ياذا الجلال والاكرام اللهم وفق إمامنا بتوفيقك وأيده بتأييدك واحم به دينك اللهم وفقه لكتابك وأجمل عمله في رضاك وهيئ له البطانة الصالحة التي تعينه على الحق يارب العالمين اللهم صلي على محمد وعلى أزواجه وذريته كما صليت على آل ابراهيم وبارك على محمد وعلى أزواجه وذريته كما باركت على آل ابراهيم انك حميد مجيد عباد الله (إن الله يأمر بالعدل وايتاء ذي القربى وينهي عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون) فأذكروا الله العظيم يذكركم واشكروه على نعمه يزدكم ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون) .

المصدر : جريدة الرياض

 
Email : info@laanansa.com جميع الحقوق محفوظة لموقع حتى لا ننسـى